علي بن أحمد المهائمي

400

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

للكباش واليعار للشياه والصّوت للإنسان أو النّطق أو الكلام ] . ولما كانت له هذه الرتبة لطهارة فطرته ، واتصاله بالأرواح العلوية ؛ ولذلك رفع إلى السماء أخذ يبحث عنها ؛ فقال ( عن ) متعلق يتكون ، وهمزة الاستفهام محذوفة والمنفصلة حقيقية أي : بل عنهما جميعا يكون ( ماء مريم ) عن سريان الشهوة فيها ، إذ قال لها جبريل عليه السّلام : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [ مريم : 19 ] ، وقد تمثل لَها بَشَراً سَوِيًّا [ مريم : 17 ] ، إذ لا بدّ منه لفيضان الروح على الجسم الإنساني ، فإنه من ماء المرأة ، ومن ماء الرجل بحسب السنة الإلهية التي لم تجد لها تبديلا وتحويلا ؛ فلذا قال : ( وعن نفخ جبرين ) أي : جبريل ، فإنه من حيث تضمنه النفس المشبه بالنفس الحيواني حامل رطوبة متوهمة ، وذلك لظهوره ( في صورة البشر ) ( الموجود من طين ) ، وهو تراب مبلول بالماء ، فلا يخلو نفسه عن رطوبة محققة ، فما تمثل به يوجب نفخة رطوبة متوهمة يفيد اجتماعهما تركيب جسم إنساني معتدل ( تكون ) أي : فاض ( الروح ) العيسوي ( في ذات ) أي : جسم إنساني هو ذاته المعروضة لحيوانه من الروح ( مطهرة ) ( من الطبيعة ) الحيوانية من حيث تركيبها من المختلفات المحققة المستدعية انحلالها عند بطلان اعتدالها المبطل تدبير الروح عنها ، وإن كان ذلك التركيب بعينه عند اعتدال أجزائه يستدعي تدبيره في جسمه ؛ لذلك ( يدعوها ) أي : تلك الطبيعة ( بسجين ) بحبس الروح العلوي . ثم تخليه عند بطلان اعتداله ( لأجل ذلك ) أي : لتطهر ذاته عن تلك الطبيعة المستدعية تدبير الروح تارة وإخلاؤه تارة ( قد طالت إقامته ) أي : إقامة روحه ( فيها ) أي : في ذاته ، ( فزاد ) قدر إقامته فيها ( على ألف ) من السنين ( بتعيين ) في هذا الألف المزيد عليه ، إذ لا تتصور زيادة على شيء بدون تعيين ذلك الشيء ؛ وذلك لأنه عليه السّلام ولد قبل نبيّنا عليه السّلام بخمسمائة وخمس وخمسين سنة ، وقد بقي بعد ، وقد مضى بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر من خمسمائة سنة . وإذا كانت الذات العيسوية منزهة عن الطبيعة ، فالروح المتكون فيها ( روح من اللّه لا من غيره ) من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر ؛ لأن فيضانه يختلف باختلاف المحل نزاهة وتعلقا ؛ ( فلذا ) أي : فلكونه من اللّه الحي القادر العليم في الأرواح ( قبض السامري ) من بني إسرائيل ( قبضة من أثر الرسول ) ، وهو التراب الذي أثر فيه قدم قرينته الأنثى ، وهو من عالم الأرواح ؛ لأنه فرس الرسول ( الذي هو جبريل ) في قول المفسرين لقوله تعالى حكاية عن ( فقبضت قبضة من أثر الرسول ) ، وجبريل ( هو الروح ) ، كما فسّر به قوله تعالى : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 194 ، 193 ] ) ، ففرسه لا بدّ وأن يكون من عالم الأرواح أيضا ، وإذا كان لفرسه هذا الأثر ، فأن يكون لنفسه أولى كيف ،